نفق الجحيم الفصل الاول
في طابق من طوابق بنايه عاليه وفخمه، ومن البلكونه الخامسه بالظبط..
كانت قاعده في مكانها المفضل علي كرسي في البلكونه بتاعة بيتها، واللي عتطل علي شارع رئيسي كبير.. مايله بجذعها على الصور الحديد بتاع البلكونه.. وعتتفرج علي الناس اللي رايحه وجايه.
وتشوف البياعين المتجولين وهما عينادوا علي بضايعهم المتنوعه.. وعينها رايحه وجايه علي العربيات اللي مبتتقطعش ابدا من الشارع..
والحريم اللي طالعه في الشوارع وعتبيع وتشتري وتجادل وتعافر زيها زي الرجاله، وداي حاجه غريبه عليها، غريبه علي وحده عاشت بين ٤ حيطان من جوا اربع حيطان من جوا ٤ حيطان تانيين، ويوم ماطلعت من بين الحيطان طلعت لبلد صغيره كأنها بيت واحد وعمرها مااتغربت عن بيتها اكتر من شارعين تلاته.
كل دا عتراقبه كل يوم من ساعة مااتنقلت للمكان دا، وعتحس بنفس عدم الانتماء ونفس الغربه، وسط المجتمع اللي لغاية النهارده متعودتش عليه، ولا على وجودها فيه.. مع إنها بقالها سنين طويله عايشه فيه، وعتحاول بكافة الطرق التأقلم والانصهار فيه.. لكن للاسف كل محاولاتها كانت نتايجها الفشل؛
لأن روحها هي اللي رافضه التأقلم، روحها اللي لساها اهناك باقيه في المكان اللي كبرت وترعرت فيه.
غمضت عيونها واتبسمت براحه وحنين، مع نسمة. هوا هبت علي وشها.. فكرتها بنسايم الهوا اللي كانت عتداعب روحها هناك.
لكن طبعا مع إختلاف النقاء، والروايح اللي حملاها النسايم، واللي مختلفه كل الاختلاف..هناك كانت تحس إن الحياة غير والهوا مبعوت بس ليها هي من منبعه عشان يداعب روحها وينعشها، وإن البراح كله على حسابها هي وإن هناك دنيتها اللي اتخلقت فيها وكان المفروض تفضل فيها، لكن القدر كانله ترتيب تاني والقدر قال كلمته.
بدأت تسافر بالذاكره وتجوب اودية الذكريات السحيقه، وتطوي السنين طي، وتضرب بجناحات الحنين، فضا المسافات البعيده.. وأخيراً وقفت علي حدود بلدها الحبيبه، وشافت اشجار المانجه العاليه، وأشجار التين العتيقه، وشافت روحها عتتنطط من شجره للتانيه، كيف القرود، وتقطف من طرحهم كل اللي تشتهييه عيونها، وتهف عليه نفسها.. وتضحك من قلبها، وتسرق لحظات سعادة معدودة رغم انوف الجميع.
فضلت هناك لحد ماقلبها وعقلها وروحها استكانوا، وحست براحه جميله عتسري جواها، كانها راحت رحله تهدي فيها اعصابها.
لكن للأسف اللحظات الجميله مش عتدوم كتير ودايماً عمرها قصير.
فتحت عيونها على صوت كلكس عربيه متتالي عيحث اللي قدامه عشان يوسعله الطريق، وعاودت من رحلتها البعيده، ورجعت تتامل الناس اللي كيف النمل ماشيين في الشارع رايحين وجايين، شايلين قوتهم ومونة بيوتهم من غير تعب ولا كلل وتسأل حالها:
ياترى كل واحد فيكم ايه نوع الهم اللي شايله فقلبه وماشي بيه، واللي يشوفه من بعيد يقول عليه خالي.
ماهي من واقع خبرتها في الدنيا طول ال٥٣ سنه اللي عاشتهم فيها، إن مفيش حد عايش على وشها مش شايل هم، ولا عنده مشاكل، مع إختلاف النوع والحجم طبعاً.
بس الاكيد إن الكل تعبان.
وأثناء ماهي غرقانه بفكرها وتفكيرها في الناس.. قطع شرودها صوت عتعشقه وتعشق سماعه.. أصوت قطرات المطر وهي عتنزل من السما.
بصت لفوق وضمت حواجبها بغرابه؛ وهي واعيه السما اتلبدت فجأة بالغيوم.. كيف وميته متعرفش!
مع إنه في بداية قعدتها كان فيه شمس خفيفه في المكان، وبدا ليها إن اليوم هيكون مشمس ودافي.. لكن سبحانه مغير الأحوال.
طلعت تليفونها من جيب البالطوا الصوف اللي لابساه، وبصت فيه، وشهقت وهي شايفه الساعه بقت كام.. وإكتشفت إن الوقت سرقها كالعادة وهي فقعدة تاملها اليوميه.
هبت من قعدتها واقفه وهي هتهمس لنفسها:
والله لو ماعاودوا ولقيوا الوكل جاهز لهيخلوا يومك اسود من قرن الخروب ياحزينه.. وأوبقي لما يسألوكي معميلتيش وكل ليه.. قوليهم سرقني الوكت واني قاعده في السهرايه، عشان متخلصيش من لسان اصغرهم.. كانت هتجري وهي عتهمس لروحها بالكلام ديه موقفتش غير فنص موطبخها قدام التلاجه.. وفتحتها وطلعت منها المكونات اللازمه للطبخه اللي هتطبخها.. واللي حرصت إنها تكون وجبه سريعه نظراً لديق الوكت. عشان تلحق تخلصها قبل ماعيالها يعاودوا بوشهم على الوكل كيف مايكونوا معاودين من حرب ضاريه خاضوها لطلب العلم.
معدتش غير ساعه وحده وكانت واقفه قدام الوكل اللي عملته وهي راضيه تمام الرضى عنه، واتنفست بإرتياح بعد ماخلصت مهمتها، وعاودت بعدها وهي مرتاحة البال، وقعدت قبال البلكونه بتاعتها مره تانيه؛ عشان تتمتع بأكتر الأجواء حباً لقلبها.. أجواء الشتا والمطر ونسايم الهوا البارده اللي بدات تداعب ستاير البيت، وتزحف بهدوء وتلفلف جسمها النحيف.. بس كالعادة السقعه مش هتأثر غير على أطرافها.. اللي عيتجمدوا طول الشتا، وكانهم مش من باقي جسمها..
ضمت اديها لبعض وبدأت تنفخ فيهم؛ عشان تحس بشوية دفا فيهم وتحس إن فيهم حياة.. وبرضوا مع ذلك هتفضل عاشقه للشتا والمطر، حتي لو اتجمدت من السقعه بالمعني الحرفي للكلمه.
بعدت اديها عن وشها وبدأت تفركهم ببعض؛ عشان يتولد الدفا فيهم، وفجأة وقفت اللي بتعمله، وهي عتتامل الجرح العميق اللي فيدها، واللي برغم من أنه شفى كليا، الا إنه لساه سايب اثر واضح على ايدها وجوا روحها وقلبها.. والاثر دا استحاله هينمحي مهما عدت عليه السنين.
ضمت يدها قوام قبل ماتهاجمها الذكريات المرتبطه بيه، وقد أيه هي شاطره فإخفاء الجروح والندوب والتظاهر بالقوة، وانها بخير مهما كان اللي فيها واللي عتحس بيه..وكالعادة وقفت علي حدود ذكرياتها الأليمه ومش عايزه تخطي خطوه وتدخل فيها، ولا قادره تتراجع وتبعد عنهم وتنساهم، وبدأ الجدل جوا عقلها مابين انه يحاول يقنعها إن الذكريات العفشه فيه مابينهم ذكريات زينه، وبين إن الشين اللي فيها اكبر واقوى واوجع..
فقامت من سكات ودخلت جوا اوضتها بعد ماقفلت البلكونه، وقعدت فوق سريرها تتأمل ندبة يدها من جديد.. من بعد مانجحت الذكريات السيئه فأنها تهاجم قلبها وعيونها، وبدأت تسأل روحها السؤال المعتاد:
أي ذنب عميلته عشان اتعاقب عليه بالقسوة داي، وعقابه يسيب الاثر دا على جسمي.. أيه اللي عميلته فحياتي كلها عشان تسير على النحو اللي سارت عليه.. أيه اللي زرعته عشان احصد منه كل الظلم اللي شفته فحياتي؟
وجاوبت نفسها بنفسها:
مارتكبتش ذنوب واصل، ولما سالت روحي عن الذنب اللي عميلته واللي استاهل عليه كل ديه، كانت الإجابه بتاعت سؤالي واضحه وضوح الشمس.. وهي إني إتولدت فبيئه ذكوريه باحته، والراجل هو الأمر الناهي، الحاكم والجلاد، هو الملك اللي بيده قلائد الحكم، وكل الحريم اللي فمحيطه سبايا وجواري.
إتنهدت بوجع وقلة حيله، ورفرفت برموشها عشان تطرد دمعه هددت بالنزول؛ لان ديه مش وكت البكا، وهي متعوده إن كل حاجه ليها وكت مخص.. حتي الحزن والدموع.. ودول بالتحديد خصت بيهم جوف الليل؛ عشان محدش يسمع انينها ولا يشوف ضعفها اللي إتعودت إنها متبينهوش غير بينها وبين نفسها، ولاتخلي حد يحسه حتى اقرب الناس ليها.. درات بعيونها في الاوضه شويه، وبعدها هربت من كل افكارها وذكرياتها للحاجه الوحيده اللي عترتاح فيها وتحس إنها الوسيله الوحيده لتضييع شعورها بالوحده المتأصل جواها برغم كل الضجيج اللي حواليها.. واللي هو( تليفونها.)
قرت منها فصل والتاني والتالت واتوقفت مقدرتش تكمل قراية من صدمتها فمحتوى الروايه.. دي مش بس اتصدمت.. دي حست بالاختناق من اللي قرته، واللي كان خيالي مليون في الميه، ولا يمت للواقع بأي صله.
جايز لو الموضوع ميمسهاش هي شخصياً ولا عاشت أحداثه، وهي أكتر حد في العالم متأكده ومستعده تقسم إن الواقع غير اللي إتكتب في الرواية.
جايز كان عدى ومر على عقلها موضوع الروايه مرور الكرام، لكن الموضوع دا هو محور حياتها.. واللي عاشت تعاني منه طول عمرها، واللي حرمها من حياة طبيعيه منذ نعومة اظافرها كيف ماعيقولوا.. واللي هو موضوع الاغتصاب، وكد أيه ضحكت بوجع وهي عتقرا إن البطل حب البطله بعد ماإغتصبها.. واللي دخلها فنوبة ضحك كانت على وشك إنها توقف قلبها.. إن البطله هي كمان بدأت تبادله نفس المشاعر.. وإنها حبته بعد كل اللى عمله فيها!
حزفت الرواية من المكتبه وإبتدت تتصفح الروايات اللي عالموقع، وبالصدفه قابلتها كذا روايه تحمل نفس الاسم تقريباً ونفس المعنى، وعشان كانت مهتمه تدور مابينهم علي حاجه معينه بين سطورهم حملتهم كلهم علي التطبيق، وبدأت تدور فيهم كيف المظلوم الي عيدور علي حقيقه من سطرين وسط كومة كلام..
وللاسف طلع فالاخر كله كلام فاضي حزفت كل الروايات الي حملتها وقررت اني مش هتقرا اي روايه تحمل الاسم دا مره تانيه.. لكن في المقابل اتولدت جواها رغبه مُلحه بانها تعرِف الكل الوجه الاخر لعملة الاغتصاب.
وتقول صاحبة القصه..
وبدون تفكير دخلت لصفحة كاتبه قريتلها كذا. روايه واسلوبها عجبني، وكان يشدني لدرجة اني ممكن اخلص روايه من رواياتها فيوم واحد او اتنين بالكتير مهما كانت طويله.. الكاتبه دي بالذات كنت حاسه بالفه غريبه ناحيتها مش عارفه ايه سرها..
دخلت علي الخاص.. وبدأت حديتي معاها كالآتي:
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته آسفه علي تطفلي.. عارفه انك متعرفنيش..
-وممكن مترديش علي رسالتي من الاساس بس مش عارفه ليه انتي الوحيده الي حبيت إني اقولها كل الي جوايا واحكيلها حكايتي وقصة حياتي وحياة ناس تانيين.. واتمني إنك انتي بالذات الي تكتبيها.
-مش عارفه ليه حاسه انها هتطلع من تحت يدك انتي كيف ماحصولت بالظبط وهتعرفي توصفي كل احساس مريت بيه وتخلي الناس تحسه بالمظبوط.
-اني عقولك اكده عشان سبق وحسيت بكل كلمه كتبتيها فرواياتك الي قريتهالك وإحساسك كان عيمس قلبي.بكيت في مواقف وضحكت في مواقف تانيه وقلبي وجعني ودمعي اتحبس وحتي انفاسي إتحبست فمواقف مختلفه.. عشان إكده إنتي انسب وحده تكتب الحكايه...
عموماً لو حالفني الحظ وشفتي رسايلي.. فآني حابه انك تكتبي حكايتي عشان البنات الصغيرين يقروها ويتعظوا ويشوفوا الدنيا بشكلها الصحيح والصوره المقلوبه لقصص الاغتصاب والحب تتعدل فعيونهم ويشوفوها واضحه وضوح الشمس.. انتي صعيديه وهتفهمي كل عاداتنا وتقاليدنا ومش هحتاج اشرحلك كل كلمه اقولها.
ولكن قبل الحدث الكبير الي عتدور حواليه كل احداث القصه.. فيه تفاصيل كتيرا عرفتها عن لسان اصحابها ذات نفسهم لازمن تعرفيها فلاول.. خليني احكيلك من
البدايه خالص..
ضغطت علي زر الارسال بعد ما انهت كتابه رسالتها وبصت للفراغ وهي عتحاول تحدد تبتدي منين الحكايه.
من اول الحادثه ولا من المرحله الي قبلها؟
وقررت اخيراً انها تبدأ من البدايه خالص.. من بدايه الامر.. وتوصف للكاتبه تفاصيل صغيره، هي متأكده انها هتفرق جداً معاها
غمضت عيونها وراحت تبحث جوا عقلها عن بدايه الخيط الي هتبدأ من عنده.. وفتحت عيونها بعد ثواني وابتدت تكتب بعد ماعرفت هتبدأ من فين بالظبط.. وحكت الحكايه من مكان ماابتدت.
من قريه في إحدى قرى الصعيد
حيث البساطه والهدوء وناس زمان الطيب اللي معتحملش فقلوبها اي احقاد، الا مارحم ربي، كانت فيه اسره مكونه من ٥ افراد.. ٣ بنات في عمر الزهور واب وام من احن مايكونوا، ومن حداهم هتبدأ حكايتناوهنشوف اللي الزمن حكم بيه عليهم..في حكايه اولها كان يامكان واخرها حكم الزمان وهنشوف حكمه ونشوف عدل ربنا وكرمه وقصاصه وعقابه للظالم وانصافه للمظلوم ورد الحقوق..وتبدأ حكايتنا من عندها ونشوف هتنتهي فين وعند مين
يتبع
الفصل الثاني
